إيران تلكس - تُعدّ العلاقات بين إيران والولايات المتحدة خلال العقود الأربعة الماضية من أكثر العلاقات تعقيدًا وتوترًا في النظام الدولي. فقد ظلّت هذه العلاقة تتأرجح دائمًا بين قطبي «المواجهة» و«التفاوض»، دون أن تتجه يومًا نحو تطبيع كامل.
إيران والولايات المتحدة الأمريكية
ويُعدّ موضوع «تغيير النظام» أحد أكثر القضايا إثارة للجدل في تحليل السياسة الأمريكية. فلا شكّ أن الهدف الأساسي للولايات المتحدة والكيان الصهيوني هو تغيير النظام في إيران، ولن يتخلّيا عن هذا الهدف.
وفي الواقع، ليست المسألة ما الذي تفضّله واشنطن، بل ما الثمن الذي هي مستعدة لدفعه لتحقيق ذلك. ويمكن العثور على الإجابة من خلال حسابات الكلفة والعائد.
وعلى خلاف بعض دول المنطقة، تمتلك إيران قدرات عسكرية وصاروخية وإقليمية كبيرة، قادرة على تحويل أي مواجهة إلى أزمة إقليمية واسعة.
إضافة إلى ذلك، فإن أي حرب محتملة قد تؤثر على أمن الطاقة العالمي، وسوق النفط، وأمن حلفاء الولايات المتحدة، بل وحتى الاقتصاد العالمي.
وفي السنوات الأخيرة، أدّى تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار التوتر مع روسيا، إلى تراجع مكانة الشرق الأوسط كأولوية استراتيجية لواشنطن. وفي مثل هذا الوضع، فإن الدخول في حرب طويلة جديدة قد يشتت موارد الولايات المتحدة وتركيزها عن منافساتها الكبرى.
لكن القيادة الحكيمة لإمامنا الشهيد، وصمود الشعب حول محور ولاية الفقيه، والقدرات الدفاعية لإيران، ودور جبهة المقاومة في المنطقة، أدّت جميعها إلى إفشال مشروع تغيير النظام في إيران.
ولهذا يفضّل العديد من صناع القرار الأمريكيين، بدلًا من الانخراط في مشروع مكلف لتغيير النظام، استخدام أدوات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية للحد من قوة إيران ونفوذها.
ويبدو أن السياسة الحالية للولايات المتحدة، بعد فشل مشروع تغيير النظام، تقوم على استراتيجية «الاحتواء الذكي»؛ وهي استراتيجية تقوم على الجمع بين الضغط الأقصى والتفاوض المُدار. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى تقييد القدرات الاقتصادية والنووية والإقليمية لإيران، ومن جهة أخرى تحاول عبر التفاوض إبقاء الأزمة ضمن مستوى قابل للإدارة.
وقد طُبّقت سياسة الضغط الأقصى لأول مرة بشكل واسع خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، ثم أُعيد إحياؤها مجددًا في عام 2025. وترتكز هذه السياسة على عدة محاور رئيسية:
- خفض عائدات النفط الإيراني؛
- تشديد العقوبات المالية والمصرفية؛
- تقييد الشبكات الاقتصادية المرتبطة بإيران؛
- كبح البرنامجين النووي والصاروخي؛
- الحد من النفوذ الإقليمي لطهران.
واللافت في السياسة الأمريكية أن الضغط الأقصى لم يكن يومًا يعني إغلاق باب الدبلوماسية بالكامل. فحتى في الفترات التي فُرضت فيها أشد العقوبات، كانت واشنطن تعلن في الوقت نفسه استعدادها للتفاوض.
وقد يبدو هذا السلوك متناقضًا ظاهريًا، لكنه في الحقيقة جزء من استراتيجية واحدة. فالولايات المتحدة تحاول عبر الضغط الاقتصادي والسياسي زيادة كلفة استمرار الوضع القائم على إيران، ثم تستخدم التفاوض للحصول على تنازلات في الملفات النووية أو الإقليمية أو الأمنية.
فالتفاوض في نظر واشنطن ليس بديلًا عن الضغط، بل مكمّلًا له. والهدف الأساسي من التفاوض هو إدارة الأزمة والتحكم في سلوك إيران، وليس بالضرورة إقامة علاقة ودية أو إنهاء الخلافات بشكل كامل.
وبالتالي، فإن فهم السياسة الأمريكية لا يتحقق من خلال مفاهيم مثل «العداء» أو «التفاوض» وحدها. فالحقيقة أن واشنطن تستخدم الأداتين معًا: ضغطًا يُفترض أن يمهّد للتفاوض، وتفاوضًا يُراد منه تثبيت نتائج الضغط.