الثلاثاء 3 شباط 2026 - 12:11
رقم : 7273
إيران تلكس - يتبادر إلى ذهن الرأي العام دائماً سؤال جوهري وبسيط: في حين أن الخطوط الحمراء والمطالب والشروط واضحة تماماً لجميع الأطراف في الصراعات الدولية (خاصة في الملفين النووي والصاروخي الإيراني)، فلماذا لا تزال تروس الدبلوماسية تدور في عواصم مختلفة؟ ولماذا رغم الإدراك الكامل لمواقف الطرف الآخر، نشهد هذا الزحام الدبلوماسي وحضور وسطاء مثل قطر وتركيا في فصول مكررة من المفاوضات؟
تشريح المفاوضات؛ الدبلوماسية كأداة أم كهدف؟
الإجابة الأولى على هذا السؤال تكمن في الطبقة السطحية والكلاسيكية للدبلوماسية. الواقع هو أن الاتفاقات الكبرى تُولد أو تفشل في "التفاصيل الفنية" (Technicalities). إن قضايا مثل ترتيب أجهزة الطرد المركزي أو مديات الصواريخ تتطلب حضور خبراء فنيين يتفاوضون لساعات طويلة على الأرقام والتفاصيل الدقيقة.

من ناحية أخرى، لا يمكن إغفال الوظيفة الإعلامية لهذه الاجتماعات. فالحكومات والقوى الإقليمية بحاجة إلى إظهار دورها كـ "لاعب فاعل".

الحضور على طاولة المفاوضات يمنح الوسطاء "رصيداً دولياً"، ويمنح الأطراف الرئيسية "الوقت" و "الشرعية العالمية" لإثبات أنهم لم يغلقوا مسار الحوار.

أما الإجابة الأكثر عمقاً وربما مرارةً، فتكمن في الطبقات الأمنية. وخلافاً للنظرة الرومانسية للدبلوماسية التي تراها طريقاً للوصول إلى السلام، فإن النظرة الواقعية تؤكد أن التفاوض هو أداة لجمع المعلومات (Intelligence Gathering).

تفتح طاولة المفاوضات قنوات اتصال مع مستويات سيادية وأفراد يصعب الوصول إليهم في الظروف العادية. الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يستخدم عملية المفاوضات الطويلة للتسلل إلى إدراك الطرف الآخر، وتحديد نقاط ضعفه، وتحويل "المجاهيل" إلى "معلومات معلومة".

في الواقع، اللقاءات المتكررة هي فرصة لرسم خارطة ذهنية لصناع القرار وقياس مدى صمود الخصم.

إن الخطأ الاستراتيجي الأكبر لبعض المحللين والأكاديميين هو النظر إلى المفاوضات كعملية "تبادل مصالح" (Trade-off) فقط. بالنسبة للغرب، التفاوض ليس بالضرورة مساراً لحل المشكلة، بل هو جزء من استراتيجية كبرى للاحتواء، والاستنزاف، وفهم المنافس بدقة أكبر.

إن الاعتقاد بأن المفاوضات وحدها يمكن أن تبعد شبح الحرب أو الضغوط هو نوع من التفاؤل المفرط الذي يتجاهل حقائق القوة القاسية.

الحقيقة هي أنه عندما تخرج المفاوضات عن كونها "أداة" وتتحول إلى "هدف" بحد ذاته، يحصل الطرف الآخر على أكبر قدر من المعلومات والنفوذ السياسي بأقل تكلفة ممكنة.

الاستيقاظ على "ركلة العدو" هو استعارة للمواجهة المتأخرة مع واقع كان مخبأً خلف الابتسامات الدبلوماسية.

وطالما لم تتغير النظرة إلى طاولة المفاوضات من نهج ساذج إلى نهج استراتيجي واقعي، فإن الاجتماعات المتتالية في الدوحة وإسطنبول وفيينا لن تكون سوى تمهيد لطريق رسم الطرف الآخر نهايته.
 
 
https://www.irantelex.ir/ar/news/7273/
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني

أحدث العناوين
الأكثر قراءة